لعنة الرقصة الأخيرة
في قرية هادئة تقع بين أحضان الغابات الأمريكية، كان هناك قصر مهجور يحيط به غموض لا ينتهي. كان سكان القرية يتهامسون عن عائلة “إيفرمور”، العائلة التي كانت تحكم القرية منذ قرون لكنها اختفت فجأة تاركة وراءها القصر فارغًا وأبوابه مغلقة. في كل عام، في ليلة الهالوين، يفتح القصر أبوابه وكأنه يدعو الفضوليين إلى استكشافه، لكن أحدًا لم يجرؤ على الدخول.
في زاوية أخرى من القرية، كانت تعيش امرأة مسنّة تدعى زيلدا، تُعرف بحكاياتها القديمة المثيرة التي تحكيها للأطفال والشباب. كانت زيلدا تقول إن القصر مصاب بلعنة تُسمى “لعنة الرقصة الأخيرة”، وهي لعنة أحاطت بالعائلة بعد أن أقيمت رقصة زواج لم تنتهِ كما يجب، تاركة أرواح العائلة عالقة في القرية بلا سبيل للراحة.
كبرت ثلاث فتيات في القرية، هن إيميلي، روز، وكلارا، وكان لقصص زيلدا تأثير كبير عليهن. كن دائماً يتساءلن عن القصر، وعن حقيقة الأرواح التي ترويها زيلدا. ومع مرور السنين، قررن أن الهالوين القادم سيكون الفرصة المناسبة لكشف حقيقة اللعنة.
في ليلة الهالوين، تسللت الفتيات إلى القصر المهجور، وقد كان الصمت يخيّم على المكان إلا من أصوات خطاهن المترددة. كان القصر أشبه بلوحة باردة، جدرانه مغطاة بالغبار، والثريات مكسوة بخيوط العنكبوت. بينما كن يتجولن في الممرات، أحست كلارا بشعور غريب يملأ الجو، وكأن عينين خفيتين تراقبانهن.
عند قاعة الرقص الكبرى، ظهرت الأرواح فجأة، متجسدة كأطياف شفافة تتراقص في الأرجاء. كان الجميع مذعورًا، لكن كلارا بقيت ثابتة. بين تلك الأرواح، لفت نظرها شاب وسيم يقف وحيدًا بجانب البيانو الكبير. كان ينظر إليها بعينين حزينتين.
“من أنت؟” سألت كلارا بصوت متردد، متغلبة على خوفها.
أجابها بلطف: “اسمي مايكل، كنت جزءًا من عائلة إيفرمور. أنا… أو بالأحرى، ما تبقى مني.”
شعرت كلارا بغرابة الحديث، لكنها لم تستطع منع نفسها من التعمق أكثر. بدأت تسأله عن سبب وجوده هنا، وعن تلك اللعنة التي سمعت عنها من زيلدا. وبصوت هادئ مليء بالأسى، أخبرها مايكل قصته.
“قبل سنوات طويلة، كنا عائلة سعيدة ومزدهرة. كنت الابن الأصغر للعائلة، وكانت الليلة المنتظرة هي حفل زفافي. لكن في تلك الليلة، حدث أمر مأساوي… أحدهم كان غيورًا من سعادة عائلتنا وألقى لعنة علينا أثناء الرقصة. توقفت الرقصة فجأة، وتحولت حياتنا إلى ظلام دائم. أرواحنا أصبحت عالقة هنا، لا تجد سبيلًا للراحة.”
مع مرور الليالي، بدأت كلارا ومايكل يلتقيان بشكل متكرر داخل القصر. كانت تشعر بالفضول تجاهه، وفي كل لقاء، كانت تكتشف جانبًا جديدًا من شخصيته. كانت تتحدث معه لساعات طويلة، تناقش معه أحلامها وطموحاتها، وكان بدوره يشاركها ذكرياته وحياته التي سُرقت منه.
كلارا شعرت بشيء يتغير في قلبها. كانت تعرف أنه مجرد روح، لكن شخصيته الدافئة وصدقه جعلها تقع في حبه دون أن تدري. أما مايكل، فقد وجد في كلارا النور الذي لم يره منذ زمن طويل.
“لا أريد أن أبقى مجرد ذكرى،” قال مايكل في إحدى الليالي، “لكن إذا كان هذا قدري، فأنا ممتن لأنني التقيتك.”
في إحدى تلك اللقاءات، أخبرها مايكل عن الحل الوحيد لإنهاء اللعنة. “هناك شيء واحد فقط يمكنه تحريرنا: رقصة أخيرة تُقام بقلبٍ صادق. رقصة تعكس الحب والتضحية، كما كان ينبغي أن تكون ليلتي الأخيرة.”
عندها، قررت كلارا والفتيات خوض المغامرة لإتمام الرقصة. كان التحضير مرهقًا وخطيرًا، لكنهن لم يتراجعن. في ليلة الهالوين التالية، وقفت كلارا مع مايكل وسط القاعة الكبرى.
“هل أنتِ مستعدة؟” سألها مايكل بابتسامة حزينة.
“طالما أنك معي، أنا مستعدة لأي شيء.”
كانت الرقصة مليئة بالمشاعر، وكل خطوة كانت تشبه وداعًا محمّلًا بالحب. مع نهايتها، بدأت الأرواح تتلاشى واحدة تلو الأخرى.
مايكل أمسك بيد كلارا للمرة الأخيرة وقال: “شكراً لأنك منحتني الأمل. ستظل ذكراك محفورة في روحي إلى الأبد.”
واختفى بين يديها كنسمة هواء. بقيت كلارا واقفة وسط القاعة، والدموع تنهمر على وجنتيها، لكنها شعرت بالسلام، لأن حبها كان أقوى من اللعنة.
عادت الفتيات إلى حياتهن في القرية، لكن القصر لم يعد مهجورًا. كان يحمل الآن جمالًا غريبًا وكأنه يشهد على الحب والتضحية التي كسرت اللعنة. أما كلارا، فاحتفظت بذكرى مايكل، وكتبت قصتهما على مر السنين لتتناقلها الأجيال القادمة.
مريم عبيدات
كاتبة ومحررة مغربية بريطانية من مواليد لندن.
مديرة النشر في مجلة برشلونة الأدبية.
عضوة مجلس إدارة اتحاد أدباء العالم.
صدر لها:
“خربشات”، خواطر، 2023
« Shunning and Separation »، بالإنجليزية، 2024
“عزوف وانفصال” كتاب جامع، 2024
“معزوفتكِ الأخيرة”، كتاب جامع، 2024